يرى نيلسون وونج، رئيس مركز شنجهاي للدراسات الاستراتيجية والدولية لمنطقة ريمباك، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، التي تأتي للاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لا ينبغي قراءتها باعتبارها محاولة محسوبة لتوسيع نفوذ بكين الإقليمي على حساب واشنطن.


وأصاف في تحليل نشره موقع ميدل إيست آي أن هذه القراءة الجيوسياسية القائمة على منطق «المحصلة الصفرية» تغفل عن الواقع الأساسي الذي يحكم العلاقات الصينية المصرية؛ إذ يستند التعاون بين البلدين إلى عقود من الشراكة الاقتصادية العملية القائمة على تحقيق نتائج ملموسة، والتي تخدم بصورة مباشرة أولويات مصر التنموية الداخلية.


ويؤدي اختزال الزيارة في إطار التنافس بين الولايات المتحدة والصين إلى تجاهل التقدم الصناعي والبنية التحتية والتكنولوجي الملموس الذي حققه البلدان، فضلًا عن تجاهل الاستراتيجية الاقتصادية التي تتبعها القاهرة لتنويع شراكاتها الدولية.


وعلى خلاف التحالفات الجيوسياسية القائمة على الصفقات، والتي تهيمن على العلاقات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تنظر بكين إلى علاقاتها مع مصر باعتبارها قائمة على تعاون اقتصادي عملي وطويل الأمد، يتكيف مع الاحتياجات التنموية الأكثر إلحاحًا للقاهرة.


المنطقة الاقتصادية الصينية المصرية.. شراكة صناعية تتوسع


يبرز مشروع منطقة تيدا السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري باعتباره أحد أنجح المراكز الصناعية الصينية ضمن مبادرة الحزام والطريق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبعد سنوات من التوسع المتواصل، تضم المنطقة حاليًا نحو 200 شركة تعمل في قطاعات التصنيع والمواد الجديدة والمنسوجات والخدمات اللوجستية، وتجذب استثمارات تتجاوز 3.8 مليار دولار.



وتشير البيانات الرسمية إلى أن المنطقة وفرت 10 آلاف وظيفة مباشرة، كما دعمت أكثر من 80 ألف فرصة عمل غير مباشرة في قطاعات الصناعة والخدمات المصرية، إلى جانب تحقيق إيرادات ضريبية منتظمة للخزانة العامة.


ولا تمثل المنطقة مشروعًا سياسيًا رمزيًا؛ إذ ساعدت مصر على توطين سلاسل الإمداد الصناعية، وتقليل الاعتماد على السلع المصنعة المستوردة، وتعزيز قدرتها على التصدير إلى الأسواق الأفريقية وأسواق الشرق الأوسط.


وحقّق التعاون في مجالي النقل والبنية التحتية الحضرية نتائج ملموسة بالقدر نفسه. ويربط مشروع القطار الكهربائي الخفيف في العاشر من رمضان، الذي يُعد مشروعًا مشتركًا رئيسيًا بين الصين ومصر، وسط القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة والمناطق الصناعية الواقعة في الضواحي الشرقية.


وساعد الخط على تخفيف الاختناقات المرورية الحادة في المدن، وتقليص زمن التنقل لمئات الآلاف من السكان، ودعم التوسع المنظم لمنطقة العاصمة الجديدة.


وتسد هذه الاستثمارات في البنية التحتية فجوات ظلت برامج المساعدات الغربية التقليدية تتجاهلها لفترات طويلة، لصالح التركيز على المساعدات الأمنية.


وفي السنوات الأخيرة، توسع التعاون سريعًا ليشمل قطاعات ذات نمو مرتفع وموجهة نحو المستقبل، لتشكل ركيزة جديدة للعلاقات الاقتصادية الثنائية.


ومن بين هذه المشروعات مشروع أوبيليس المتكامل للطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء، وهو أكبر منشأة مصرية للطاقة الكهروضوئية وتخزين الطاقة على نطاق المرافق، ويوفر حاليًا كهرباء نظيفة وبأسعار مناسبة لنحو 1.6 مليون أسرة محلية.


واستخدم المشروع تكنولوجيا مخصصة تتلاءم مع المناخ الصحراوي القاسي في مصر، ما يدعم تحول البلاد نحو الطاقة المتجددة ويساعد على استقرار شبكة الكهرباء الوطنية التي تواجه ضغوطًا متزايدة.


وفي قطاعي التكنولوجيا الرقمية والصناعات عالية التقنية، وقّع الجانبان خمس مذكرات تفاهم رئيسية تغطي تصنيع كابلات الألياف الضوئية، والتعهيد البرمجي، وأبحاث أشباه الموصلات، وإنشاء مراكز البيانات، إلى جانب صندوق استثماري مخصص للتكنولوجيا بقيمة 300 مليون دولار.


وتدعم هذه الاتفاقات هدف مصر في بناء اقتصاد رقمي محلي وتطوير منظومة الصناعات عالية التقنية.


وحتى المشروعات الاستراتيجية متعددة القطاعات تحمل أهدافًا اقتصادية واضحة، وليس أهدافًا جيوسياسية. ويوفر القمر الصناعي إيجيبت سات-2، الذي أُطلق بدعم تقني صيني عام 2023، لمصر قدرات مستقلة في مجال الاستشعار عن بُعد عالي الدقة.


وتدعم هذه التكنولوجيا التخطيط الزراعي المحلي، والتوسع العمراني، والوقاية من الكوارث، وإدارة الموارد، بما يعزز اعتماد مصر على قدراتها الذاتية في البنية التحتية الحيوية للبيانات المكانية.


ويتكامل ذلك مع مشروع مدينة التجارة الصينية المصرية، المزمع إنشاؤها باستثمارات قدرها مليارا دولار، والتي تستهدف إقامة مركز تجاري ولوجستي متكامل يمتد على مساحة عدة ملايين من الأمتار المربعة، بما يعزز دور مصر كبوابة تجارية إقليمية تربط أفريقيا والشرق الأوسط وأوراسيا.


سياسةتنويع الشراكات الدولية


يفسر هذا السجل من التعاون الاقتصادي العملي سبب عدم قدرة إطار «التنافس الصيني الأميركي» على عكس الواقع المحلي بصورة دقيقة.


وقد ركز انخراط واشنطن التقليدي في الشرق الأوسط على الشراكات العسكرية والمساعدات الأمنية والاحتواء الجيوسياسي، بينما غالبًا ما جاء التعاون الاقتصادي في مرتبة ثانوية وارتبط بشروط تتعلق بالاصطفاف السياسي.


وفي المقابل، يركز الاستثمار الصيني في مصر على التنمية، ولا يرتبط بشروط أيديولوجية أو مطالب تتعلق بالانضمام إلى تكتلات سياسية.


ويستجيب كل مشروع مشترك رئيسي لأولويات أعلنتها الحكومة المصرية، سواء تعلق الأمر بتوطين الصناعة، أو التحول إلى الطاقة المتجددة، أو تحديث المدن، أو تطوير الاقتصاد الرقمي.


وتقوض السياسة الخارجية المتوازنة التي تنتهجها القاهرة كذلك رواية إجبارها على اختيار أحد الطرفين. فقد حرصت مصر باستمرار على عدم الانخراط في التنافس بين القوى الكبرى، ونظرت إلى الشراكة مع الصين باعتبارها إضافة مكملة، وليست بديلًا منافسًا لعلاقاتها القائمة مع الدول الغربية.


ويسهم الاستثمار الصناعي الصيني في سد فجوات هيكلية خلفها رأس المال الغربي التقليدي، الذي يميل إلى التركيز على قطاعي الطاقة والمال، بينما يقل اهتمامه بالتصنيع على المستوى المحلي وتحديث البنية التحتية.


ويؤدي تعميق التعاون الاقتصادي الصيني المصري في نهاية المطاف إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية لمصر، بما يمنحها قدرة أكبر على بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة الأزمات، مع مساحة أوسع لصياغة سياساتها بصورة مستقلة.


وبالطبع، يفرض اتساع الحضور الاقتصادي الصيني في مصر تحديات عملية، من بينها المنافسة بين الصناعات المحلية، وتوقعات نقل التكنولوجيا، والتنسيق في إدارة المشروعات. لكن هذه التحديات تمثل احتكاكات فنية وتجارية طبيعية بين شريكين اقتصاديين على المدى الطويل، ولا تعكس بالضرورة تنافسًا بين القوى الكبرى، كما يمكن التعامل معها عبر مجموعات العمل الثنائية وإجراء تعديلات متتابعة على المشروعات.


أجندة اقتصادية تتجاوز منطق التنافس الدولي


وقبل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج، بدت الأجندة الأساسية للزيارة اقتصادية بصورة واضحة.


وأي تنسيق أمني إقليمي قد يجري بحثه خلال الزيارة سيخدم في نهاية المطاف هدف تحقيق التنمية المستقرة، إذ يمثل السلام الإقليمي شرطًا أساسيًا لاستمرار الاستثمار والنمو الاقتصاديين.


وعلى مدار 70 عامًا، تطورت العلاقات الدبلوماسية الصينية المصرية من صداقة سياسية إلى ترابط اقتصادي ملموس يركز على مصالح الشعوب.


ويؤدي تصوير هذه الزيارة الرئاسية باعتبارها مواجهة بين الولايات المتحدة والصين إلى الانتقاص من قدرة البلدين على تحديد خياراتهما الاستراتيجية بصورة مستقلة، كما يتجاهل سنوات من المكاسب التنموية الملموسة التي انعكست على المجتمعات المصرية.


ولا تتعلق هذه الزيارة بالتنافس أو الهيمنة، وإنما بتعزيز شراكة اقتصادية عملية أثبتت قدرتها على الاستمرار، ودعم أجندة التحديث المصرية، وبناء بيئة اقتصادية إقليمية أكثر استقرارًا وازدهارًا بعيدًا عن منطق المحصلة الصفرية الذي يحكم تنافس القوى الكبرى.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/why-china-egypt-cooperation-has-nothing-do-great-power-rivalry